كتابات في تاريخ منطقة الشمال: 

"أصيلة: زمكانية المعالم الأثرية والتاريخية" 

 

أسامة الزكاري 

  

            تابع الأستاذ مصطفى المهماه سلسلة أعماله التنقيبية في تحولات ماضي مدينة أصيلا العريق وفي أشكال استمرار حضور الشواهد المادية والرمزية لهذا الماضي، بإصدار كتاب تجميعي هام تحت عنوان "أصيلة: زمكانية المعالم الأثرية والتاريخية"، وذلك سنة 2019، في ما مجموعه 283 من الصفحات ذات الحجم الكبير. والعمل الجديد تثمين لسلسلة الانشغالات الثقافية والتنقيبية التي انشغل بها الأستاذ المهماه على امتداد عقود زمنية طويلة، بحثا في ماضي مدينة أصيلا، وتجميعا لمظانه ولمصادره التاريخية، واحتفاءا بخصوبة المكان وبتراثه الرمزي اللامادي الذي يصنع للمدينة هويتها التاريخية والحضارية الأصيلة والمركبة. ولقد توج الأستاذ المهماه هذا المسار المتميز، بإصدار مجموعة من الأعمال المرجعية التي تكتسي قيمة كبرى في توجيه الاهتمام نحو تنظيم الاشتغال على الذاكرة التاريخية للمدينة، وربط عطائها وتميزها بانتظارات الراهن وبشروط تحقيق الإقلاع  التنموي المنشود. وعلى الرغم من انتماء الأستاذ المهماه إلى مجال البحث السوسيولوجي التخصصي، فإن انفتاحه على حقل التاريخ، جعله يكتسب الكثير من عناصر المبادرة التي نتجت تآليفا على تآليف، وأعمالا على أعمال، وعطاء على عطاء، اختزلته عناوين إصداراته المترتبة، مثلما هو الحال مع كتاب "المجتمع الأصيلي والمسرح" (1975)، وكتاب "المرأة المغربية والتصوف" (1978)، وكتاب "تاريخ مسرح الطفل" (1986)، وكتاب "صومعة القمرة بأصيلا" (2005)، وكتاب "حكايات رمضانية" (2005)، وكتاب "معجم ألفاظ الحبس المعقب والعام بالمغرب" (2006)، وكتاب "أصيلة: عادات وتقاليد المجتمع الأصيلي" (2012). 

       لكل ذلك، أمكن القول إن الكتاب موضوع هذا التقديم لا يخرج عن السياق العام لانشغالات الأستاذ المهماه، باحثا صبورا ومثقفا موسوعيا ومنقبا مدققا. وهي صفات أكسبته الأدوات الضرورية للسباحة في غمار الكتابة التاريخية من خارج ضوابط التخصص المدرسي والأكاديمي. ولعل هذا ما يفسر انزياحاته المركزية في الكتابة وفي التدوين نحو المحكيات الشفاهية، أو نحو الاستمارات الميدانية، أو نحو العوالم الرمزية غير المادية، مما يندرج في صميم اهتمامات علم السوسيولوجيا الحديثة. والحقيقة، إن هذا المنحى قد أضفى قوة على عطاء الأستاذ  المهماه، إذ مكنه من الإمساك بمنغلقات علمي التاريخ والسوسيولوجيا بشكل أضحى –معه- كل فرع يكمل الآخر ويسد ثغراته، وذلك على الرغم من الانزياحات الكبرى التي ترتبط بهذا المنحى، والتي كثيرا ما ترتبت عنها سقطات منهجية وأخطاء معرفية تؤثر على القيمة العلمية للمادة التاريخية المقدمة. ومع ذلك، فإن عملية التجميع التصنيفي تظل ضرورية كمدخل لتوفير المادة الخام الواجب استثمارها من طرف الباحثين والمتخصصين بدراسة تحولات المشهد التاريخي لمدينة أصيلا، منذ عهود ما قبل التاريخ وإلى يومنا هذا. 

       وبخصوص الهدف العام من وضع الكتاب موضوع هذا الموضوع، يقول المؤلف: "إن هدف هذا البحث هو تقديم معلومات شاملة عن المعالم الأثرية والتاريخية في زمكانياتها السوسيوتاريخة للرفع من ثقافتها في وسط المجتمع الأصيلي لتداولها فيما بينهم وبين زوار المدينة وغيرهم. ومادة كاملة عنها للدليل السياحي، والذين يهتمون بتنمية السياحة كقطاع اقتصادي تنموي للمدينة وللباحثين في العلوم الاجتماعية..." (ص. 12). إنه كتاب أراده صاحبه أن يكون دليلا مرجعيا للشواهد الأثرية القائمة داخل فضاء المدينة وبين ربوع أحوازها الواسعة والممتدة، وهي الشواهد التي جمعت بين أصول متعددة، أبرزها ترتبط بالجذور الفينيقية والرومانية والإسلامية والبرتغالية والإسبانية والمعاصرة. لذلك، لم يقدم الكتاب أي دراسة قطاعية تحترم القواعد الإجرائية للكتابة العلمية التاريخية التخصصية، بل ركز على تجميع كل ما يمكن تجميعه لاستنطاق ذاكرة المكان. في هذا الإطار، تنوعت مصادر هذا التجميع لتضم كتابات عربية إسلامية كلاسيكية، وأخرى برتغالية، وبعض مما أنجزه باحثون معاصرون، إلى جانب الروايات الشفوية وبعض الصور الفوتوغرافية والشواهد المادية القائمة. 

       وعلى أساس هذه المادة الأولية التي تظل في حاجة إلى الكثير من جهود النقد والتقييم والغربلة، سعى المؤلف إلى توزيع مضامين عمله بين خمسة أبواب مستقلة، حاول في أولها تحديد أهداف البحث ومجاله ومنهجه وحصيلة انفتاحه على عهود ما قبل التاريخ، قبل أن ينتقل إلى توسيع دوائر بحثه في الأبواب اللاحقة لتشمل القضايا المركزية في النبش وفي التدوين، وعلى رأسها قضية الاحتلال البرتغالي للمدينة خلال القرن 15، وتاريخ مساجد أصيلا إلى جانب مؤسساتها الدينية الأخرى مثل الرباطات والزوايا والطرق الصوفية والبيع اليهودية والكاتدرائية الكاثوليكية الإسبانية، ثم ذاكرة معالم المكان الراهن مثل النصب التذكاري لذكرى 9 أبريل 1947، وقصر الريسوني، والمؤسسات التعليمية بالمدينة خلال عهد الاستعمار، والقاعات السينمائية والمسرحية، ومركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، والمحكمة الشرعية الابتدائية، والمؤسسة الخيرية الإسلامية. 

       وبذلك، استطاع الأستاذ المهماه تقديم حصيلة لا بأس بها من المعطيات التوثيقية المفيدة، التي لا شك وأنها تثير شهية الباحثين والمتخصصين نحو توسيع دوائر التنقيب داخلها، قصد تطويعها وتحويلها إلى مادة ملائمة لإعادة تركيب أجزاء الذاكرة التاريخية العلمية المتحررة من هوس الانتماء ومن إغراءات الإفراط في هذا الهوس. وعلى الرغم من أهمية ما قدمه الأستاذ المهماه من نتائج مثيرة، فإن العمل ظل مكتنفا ببعض المهاوي التي أثرت على قيمته، من أبرزها التجاهل الكلي لكتابات رائدة أنجزها بعض من أبناء المدينة، مثلما هو الحال مع المرحومين عبد السلام اللواح وعبد الرحيم الجباري. إلى جانب ذلك، لم يستغل المؤلف نتائج الدراسات الحديثة المنجزة حول ماضي المدينة، وعلى رأسها الدراسات الأركيولوجية الجامعية المغربية والأجنبية التي اشتغلت في أحواز المدينة، وخاصة بموقع زليل وتاهدارت والأقواس-برييش ومزورة. فالكثير من نتائج هذه الأعمال رأى النور وأصبح متداولا على نطاق واسع بين صفوف الباحثين والمهتمين، مثلما هو الحال مع أعمال الباحثين محمد عيوض وعبد المحسن شداد بالنسبة للتاريخ القديم، وعبد الأحد السبتي بالنسبة للتاريخ الوسيط، وحليمة بنكرعي وحسن الفكيكي بالنسبة للتاريخ الحديث. أما بالنسبة للتاريخ المعاصر والراهن، فرصيد المنجز الجامعي يظل من الخصوبة ومن التنوع بشكل لا يترك أي مجال لتجاهل المنجز الوطني والدولي المرتبط بتحولات التاريخ المعاصر والراهن لمدينة أصيلا. 

       إنه كتاب أصيلا المفتوح على أسئلة البحث والتنقيب. كتاب أصيلا المتجدد في رؤاه وفي قراءاته، وقبل ذلك، في أشكال انفتاحه على المادة المصدرية وعلى طرق توظيفها واستثمارها. 

Le Site Web du Tourisme Zaîlachi 

Zaîla.com  

Zaîla Culture Locale 

 

ZAILA.COMASILAH | Tous droits réservés - Mentions légales - Contact