كتابات في تاريخ منمطقة الشمال : 

" الحافظ الإمام الأصيلي " 

أسامة الزكاري 

       إذا كان الرأي الشائع يقول بأن المدن الأصيلة تعرف برجالاتها الأفذاذ، فإن مدينة أصيلا قد اقترنت منذ القرون الماضية باسم العلامة الإمام الأصيلي باعتباره أبرز شخصية علمية وسياسية أفرزتها هذه المدينة العريقة في العلم وفي الجهاد وفي العطاء. ويمكن القول إن الفضل يعود للإمام الأصيلي في جعل المؤرخين يحيلون باستمرار إلى ذكر أصيلا ويتوقفون للنهل من تراثها العلمي والديني الذي تجاوز حدود الوطن الضيقة ليمتد على نطاق واسع شمل كل منطقة الغرب الإسلامي بشكل خاص وعموم البلاد الإسلامية بشكل عام. وكنتيجة لهذا الوضع، وجدنا أنفسنا أمام ترادف مثير بين المدينة ونزيلها، فما أن تذكر أصيلا إلا ويتم استحضار تراث الإمام الأصيلي، وما أن يذكر هذا التراث إلا وتتم الإحالة على الظروف التاريخية العامة التي كانت تشهدها المدينة خلال مرحلة العصور الوسطى، ظروف أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها جعلت أصيلا تتحول  إلى إحدى أشهر عواصم الغرب الإسلامي بحكم ريادتها في وظائف سياسية واقتصادية وثقافية جعلت إشعاعها يمتد في كل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ولازلنا نشهد آثارها إلى يومنا هذا. 

       ونظرا لهذه الخصوصية المتميزة. فقد تحول التأريخ لمدينة أصيلا – في أجزاء كبيرة منه خلال فترات العصور الوسطى – إلى توثيق لأدوار الإمام الأصيلي خاصة العلمية منها، ولذلك فقد ظهرت العديد من الدراسات الهامة التي حاولت الكشف عن سيرة هذه الشخصية وكذا تقييم تراثها العلمي الغزير الذي يحق لمدينتنا أن تفتخر به. هكذا حاولت كتابات الأقدمين والمعاصرين من أمثال البكري والونشريسي وياقوت الحموي وعبد الله كنون ومحمد حجي، تقديم اجتهادات الإمام الأصيلي ومساهماته العلمية مع الحرص على ربطها بالظروف التاريخية التي أفرزتها ومع نوعية الانشغالات السياسية والمهنية التي هيمنت على شخصية الإمام الأصيلي. ومن دون العودة للوقوف عند تفاصيل سيرة الإمام الأصيلي، نشير إلى أن كتاب " الحافظ الإمام الأصيلي " يظل من بين أشهر المؤلفات المعاصرة التي حاولت النبش في السيرة الذهنية للإمام الأصيلي وفي تأثيرها على مناهج البحث بالنسبة للمشتغلين بعموم العلوم الدينية وبعلوم الحديث بشكل خاص. وقد حرص فيه المؤلف الأستاذ محمد بن عبد السلام ابن عبود على استعراض مختلف الجزئيات التي طبعت حياة الإمام الأصيلي أو أثرت في اجتهاداته العلمية، مع تتبع تطورات المحيط المحلي والجهوي من حيث تأثيرهما في التلاقح الحضاري والعلمي الذي ميز علاقة المغرب ببلاد الأندلس خلال العصور الوسطى ودور ذلك في تشكل وعي نخب المرحلة وفي إنتاج قيم معرفية / رمزية أصيلة وفي التأثير المباشر في الأحداث الكبرى التي شكلت منعطفات وتحولات هامة في تاريخ المنطقة. وإذا كان الأستاذ محمد بن عبد السلام ابن عبود قد فارق الحياة قبل أن يتمكن من طبع عمله هذا، فإن أبناءه قد تكلفوا بإنجاز هذا العمل وبإخراجه إلى مجال التداول بين المهتمين والباحثين منذ سنة 1991. 

       يتكون الكتاب من 43 صفحة من الحجم المتوسط، احتوت على مجموعة من المواد المتراتبة التي لم تخضع لتصنيف أو لترتيب دقيق، بل انساقت وراء هاجس تجميع أكبر قدر من المعلومات والمعطيات التوثيقية الخاصة بشخصية الإمام الأصيلي. وقد احتوى الكتاب في مستهله على ترجمة مقتضبة لسيرة المؤلف أنجزها الأستاذ علي الريسوني وكذلك على تقديم عام كتبه الأستاذ عبد الحميد التمسماني شبكودة تناول فيه بالحديث أهمية علم التراجم وفن السيرة الذاتية في إنارة الحلقات المظلمة من ماضينا الجماعي وفي استشراف آفاق المستقبل وذلك بالتأسيس لآليات التوثيق لتاريخنا الذهني الذي يظل في تراكماته الراقية حجر الزاوية في  النهوض الحضاري لمجتمعاتنا الراهنة. أما بالنسبة للمتن الأصلي الذي وضعه الأستاذ محمد بن عبد السلام ابن عبود، فقد احتوى على مقدمة أولى لخص فيها المؤلف الوقائع العامة التي كانت تعرفها بلاد الأندلس خلال الفترة التي عاش فيها أبو محمد الأصيلي ( القرن 4 ه ) خاصة على المستوى العلمي والمعرفي والأدبي، كما احتوى على مقدمة ثانية حاول فيها رسم ملامح مدينة أصيلا خلال عصر الإمام الأصيلي مع التركيز على الوظائف السياسية والعسكرية والتجارية والعلمية التي كانت تضطلع بها المدينة خلال الفترة المذكورة. وبعد هذا المدخل العام، انتقل المؤلف إلى تتبع مسار حياة الإمام الأصيلي، مقسما هذا المسار بين أربع فترات أساسية امتدت أولاها من سنة 324 إلى سنة 341 ه وتطابقت مع المرحلة التي عاش فيها الإمام الأصيلي بمدينة أصيلا خلال عهد عبد الرحمان الثالث حاكم بلاد الأندلس آنذاك، وامتدت المرحلة الثانية من سنة 341 إلى سنة 352 ه وخلالها انتقل الإمام الأصيلي إلى الأندلس طلبا للعلم حيث اتصل وتتلمذ على العديد من أعلام الفكر والثقافة الأندلسية خلال هذه الفترة التاريخية، أما المرحلة الثالثة فإنها تمتد من سنة 352 إلى سنة 364 ه وتغطي فترة سفر الإمام الأصيلي إلى المشرق طلبا للمعرفة من ينابيعها الأصلية العربية الإسلامية. وفي كل هذه المراحل التكوينية، ركز الأستاذ ابن عبود على التعريف بالشيوخ الذين اتصل بهم الإمام الأصيلي وعلى طبيعة المعارف التي تلقاها هذا العالم والتي كان لها دور كبير في تكوينه الشخصي وفي نبوغه في علم رواية البخاري حسب ما اشتهر به في كل منطقة الغرب الإسلامي. 

       وإذا كانت كل هذه المراحل قد شكلت الأساس الذي طبع شخصية الإمام الأصيلي ووجهت اهتمامه نحو قضايا وانشغالات علمية معينة، فإن المرحلة الرابعة والأخيرة والممتدة بين سنتي 364 و392 ه قد وسمت المسار الفكري والإشعاعي العام لهذا العالم وجعلته حاضرا – بقوة – في منتديات العلم والمعرفة وفي دواليب الإدارة السياسية وعبر عموم الاجتهادات القضائية التي عرف بها خلال هذه المرحلة. ونظرا لكل ذلك، فقد خصص محمد عبد السلام ابن عبود القسم الكبير من كتابه للحديث عن هذه المسارات، متتبعا في ذلك ظروف رجوع الإمام الأصيلي إلى قرطبة بعد إنهاء دراسته بالمشرق وذلك سنة 364 ه، مع التركيز على المكانة العلمية الرفيعة التي أصبحت له خلال هذه الفترة والتي يؤكدها حضوره إلى جانب أشهر علماء المرحلة في بيعة هشام بن الحكم سنة 366 ه. وعندما أصبحت أمور الحكم بالأندلس بيد ابن أبي عامر، أصبح الإمام الأصيلي رئيسا لعلماء الأندلس، فأخذ عنه الناس كتاب " صحيح البخاري ". وقد فصل الأستاذ ابن عبود الحديث عن المؤلفات التي خلفها الإمام الأصيلي في مختلف مناحي المعرفة، كما قام بالتعريف بكبار تلامذة هذا العالم والذين نشروا علمه في مختلف أرجاء العالم الإسلامي. وفي سياق آخر، توقف المؤلف للتوثيق لعمل الإمام الأصيلي داخل دار الشورى بقرطبة، معرفا بالاجتهادات المتميزة التي جاء بها في مجال المهام القضائية الجسيمة التي كلف بها ببلاد الأندلس،  وهي المهام التي جعلت اسم الإمام الأصيلي يسطع في سماء الغرب الإسلامي ويتحول إلى قطب مرجعي في مجال الأحكام التشريعية التي لم تنحصر فقط على المعيش اليومي للناس ولكنها غطت مجموع مرافق الدولة وقطاعاتها الأساسية وأنظمة حكمها المعتمدة. وبهذه الصفة، فقد أصبح الإمام الأصيلي من أبرز " العالمين العاملين " الذين خلد التاريخ أعمالهم حسب ما عكسته المصنفات التاريخية التي تناولت سيرهم بالبحث وبالدراسة. 

       وقد ختم المؤلف متنه بتضمينه آخر ما قاله الإمام الأصيلي ونقله عنه ابن فرحون في شكل دعاء وبشارة اشتهر بها هذا العالم وتواترها عنه طلبته ومجايليه. وفي الأخير، قدم الأستاذ ابن عبود مجموعة من الاقتراحات لتخليد اسم الإمام الأصيلي ليس فقط بمدينة أصيلا ولكن كذلك في كل المنطقة التي كانت تعرف تحت اسم الغرب الإسلامي، من ذلك – مثلا - إقامة تذكار يؤرخ لزيارة أبو محمد الأصيلي للمشرق وانكباب لجنة من الباحثين لوضع كتاب حول الإمام الأصيلي يكون جامعا لكل حياته ومبينا للعصر الذي عاشت فيه مدينة أصيلا أبهى مراحل تطورها التاريخي حيث جمعت بين الريادة السياسية والنبوغ العلمي والتطور الاقتصادي. 

       وبدورنا، لا يسعنا إلا أن نزكي ونؤكد على هذه الدعوة التي أطلقها الأستاذ ابن عبود، خاصة وأن هناك جوانب كثيرة في حياة الإمام الأصيلي لازال الغموض مهيمنا عليها. وإذا كنا نتفهم أسباب إعراض الأستاذ ابن عبود عن الخوض في متاهات هذه الجوانب – نظرا لطبيعة كتابته التاريخية التجميعية الموسوعية -، فإن المطلوب – الآن – هو توسيع دائرة البحث الجماعي لإعادة إحياء ذكرى هذا العالم الذي استمر في فرض سلطته الرمزية على فضاء أصيلا وعلى الذاكرة الجماعية لساكنتها، منذ القرن الرابع الهجري وإلى يومن هذا. 

Le Site Web du Tourisme Zaîlachi 

Zaîla.com  

Zaîla Culture Locale 

 

ZAILA.COMASILAH | Tous droits réservés - Mentions légales - Contact